• JoomlaWorks Simple Image Rotator
  • JoomlaWorks Simple Image Rotator
  • JoomlaWorks Simple Image Rotator
  • JoomlaWorks Simple Image Rotator
  • JoomlaWorks Simple Image Rotator
02/12/2008
أربع ألف سنة في النيل الأزرق


المسارات الى عدم المساواة وطرق المقاومة
فيكتور فرناندز
شعبة ما قبل التاريخ، جامعة كمبلوتنسى 28040 مدريد، اسبانيا
ترجمة د. أسامة عبدالرحمن النور

 
الموجز
نطرح هنا كاستنتاجات عامة للأوراق الخاصة بمشروع النيل الأزرق، بعض الأفكار المقترحة بشأن مجتمعات ما قبل التاريخ التى شكلت موضوعاً لدراسة علماء الآثار الأسبان العاملين في السودان الأوسط خلال التسعينات من القرن المنصرم. اشتمل المشروع على أعمال مسح لمنطقة وادي سوبا الحسيب الى الشرق من الخرطوم وتنفيذ تنقيب في موقعين للعصر الحجري الوسيط (الميزوليتي) وموقع من العصر الحجري الحديث (النيوليتي) في منطقة وادي سوبا. جمعت المعطيات المستقاة من مصادر مختلفة في محاولة لتركيب رواية تاريخية. تمت ملاحظة آثار بعض الفجوات الآثارية في المنطقة، بخاصة في بداية العصر الميزوليتي ونهايته، حيث شهدت هذه الأخيرة بروز التراتب الاجتماعي وتراجع دور المرأة. تم تفسير الفجوة الآثارية في نهاية العصر النيوليتي بحسبانها ناتجة عن عائق أمام الانقسام الاجتماعي.
تم افتراض يقول بأن ثقافات مقاومة مبكرة وتحركات سكانية باتجاه الجرف الإثيوبي بوصفه منطقة لجوء آمنة قد تمت وسط السكان النيليين - الصحراويين ومنطقة الساحل الشرقي

في أصل الثقافات الميزوليتية ومعناها
تنتمي المواقع الميزوليتية التى تم مسحها والتنقيب فيها في منطقة النيل الأزرق من قبل مشروع البحث الآثاري الأسباني، والذى نُشرت نتائجه في هذا المجلد (Fernández et al. 2003a, 2003b)، الى "المركب التقني" الهولوسيني الصحراوي - الساحلي المسمى بمصطلحات عديدة مختلفة. تسمية "آثارية جغرافية" موفقة تم طرحها  (Hays 1971: 134) "أسلوب أفق الخرطوم Khartoum-Horizon Style" تشير الى الزخرف المتجانس للفخار الذى تم الكشف عنه للمرة الأولى في موقع الخرطوم  (Arkell 1949a). الفكرة هى أن أسلوب الفخار نفسه انتشر من هنا الى مجموعات عديدة مختلفة في الصحراء والساحل، والتى استنبط وجودها السابق قبل انتقال الفخار من تقنياتها الحجرية المختلفة (Hays 1971: 136). تكشف المعطيات الآثارية الحديثة وجود طور قصير "قبل فخاري" أو "ايبي باليوليتي" في الصحراء، وضع كرونولوجياً في الفترة من بداية الظروف الرطبة وانتشار تقنيات الفخار. تم جمع بينة من شمال مالي والنيجر  (Camps 1974: 214-6)، ومن صحراء مصر الشرقية (Gabriel 1977)، ومن شرق السودان (Marks 1987; Elamin 1987)، أو صحراء ليبيا الغربية (Cremaschi and Di Lernia 1998; Garcea 2001). سمي هذا الطور الثقافي في المنطقة الأخيرة بـ "الأكاكوس المبكر"، وأؤرخ بـ 9800 - 9000 سنة مضت. تميزت الصناعات الحجرية لهذه الفترة بتواتر عال للنصال المدببة الظهر كما هو الحال بالنسبة للصناعات المعاصرة لها في المغرب (القفصية)  (Tixier 1963; Camps 1974) ووادي النيل المصري (القارونية والشمارقية) (Wendorf 1968; Wendorf and Schild 1976).
 
بحوالي 9000 سنة مضت، على أية حال، تبنت المجموعات على امتداد الصحراء إنتاج الفخار وفق أسلوب زخرفة مماثل بصورة واضحة بحيث لا يُظهر أية اختلافات على امتداد مساحة بهذا القدر من الاتساع. استخدم أسلوب الطبع بالمهزة نفسه من مناطق الأطلسي، مثل الصحراء الغربية (Almagro 1946: 200-1) أو موريتانيا (Commelin et al. 1992: fig. 3, a-f)، الى المناطق القريبة من ساحل البحر الأحمر، كما هو الحال في طور ساروبا بمنطقة خشم القربة (Fattovich et al. 1984: fig. 3; cf. Arkell 1949a: 116; Garcea 1993: 189). وجدت تقنية الطبع المحوري المزدوج التناوبي التى تمثل شكلاً من نظام الطبع العام بالمهزة، أيضاً على امتداد الصحراء والنيل (Garcea 1998: 93). انتشر الخط المنقط المتموج بكثرة أيضاً في منطقة الصحراء، لكنه ظهر في وادي النيل في تاريخ لاحق (Ibid.; Caneva 1983; Caneva and Marks 1990; Caneva et al. 1993).
 
لازالت الأسباب الكامنة وراء مثل عملية الانتشار السريعة لموضوع ثقافي منفرد على امتداد مساحة بهذا القدر من الاتساع (أكثر من 6000 كيلو متر عرضاً) بحاجة الى توضيح. طالما أن الأفق الفخاري في معظم المواقع المعروفة هو المحتوى الثقافي الأول بعد الفجوة الديموغرافية للبليستوسين المتأخر، فإن إشكالية أصول الفخار هى في الحقيقة مشكلة الاقامة الإنسانية المجددة في منطقة الصحراء. حالات مماثلة للانتشار السريع للفخار، مثل الفخار الدانوبي الخطي في أوروبا النيوليتية المبكرة (Whittle 1985) أو فخار نوع اوري لدى البانتو في عصر الحديد المبكر في شرق أفريقيا (Phillipson 1977a)  تم تفسيرها بحسبانها نتاجاً لتوسع المجموعات الإنسانية على امتداد مناطق جغرافية متسعة.
 
فسر سوتون (1974; Sutton 1977) في مقالتين نمطيتين نالتا انتشاراً واسعاً المركب التقني للفخار بالمهزة بحسبانه نتاج الهجرة الأولى للشعوب الزنجية، المتحدثة بتنوعات قديمة لتشكيلة اللغات النيلية - الصحراوية الحالية، خارج موطنهم في أفريقيا الوسطى (الثاني سيكون توسع البانتو، بعد عدة ألفيات لاحقة). كان التوسع مدفوعاً ببداية ظروف رطبة جديدة في الصحراء، وتبنت المجموعات المهاجرة بالتالي توجهاً اقتصادياً يعتمد موارد الأنهار والبحيرات، من هنا التسمية المقترحة "الحجرية المائية aqualithic" لهذا المركب الثقافي. يعتقد سوتون بأن الحركة قد دفعها توسع الغابات الاستوائية في أفريقيا الوسطى (Sutton 1977: 27)، وهو ما يبدو أن المعطيات الجديدة تقدم دعماً له. بعد أن كانت محصورة في "ملاذات" قليلة أثناء ظروف الجليد القصوى في نهاية البليستوسين، تمددت الغابات المطيرة لتصل الى قمة توسعها بحوالي فترة الهولوسين الأوسط (Lieth and Werger 1989). طبقاً لنظرية معروفة لكنها عرضة للمجادلة (Bailey and Headland 1991)، كانت الغابات الاستوائية بيئة مغلقة أمام بني الإنسان قبل تثبيت التقنية النيوليتية. بالتالي كان رد فعل جماعات الباحثين عن الطعام أمام تمدد الغابات هو الهجرة نحو مناطق أكثر انفتاحاً وفي الشريط الشمالي المباشر "لوسط أفريقيا" سيكون هذا الاتجاه نحو الشمال.
 
بالنسبة للسمات الأنثروبولوجية الفيزيقية، فإن فكرة انتشار عنصر زنجي أساساً عبر الصحراء خلال الهولوسين، والتى كانت شائعة عندما كتب سوتون مقالتيه بعد المعطيات المستقاة من تنوعات هياكل منفردة من الخرطوم المبكرة ومواقع أخرى (cf. Derry in Arkell 1949a: 30-3)، فقد تم رفضها فيما بعد على أساس معطيات متنوعة تدعم وجود سكان شماليين من نوع مشتا (Petit-Maire and Dutour 1987). أظهرت أبحاث حديثة اعتمدت المتغيرات الوراثية، على كلٍ، وجود تنوع وراثي مستمر في كل من منطقتي النيل والصحراء بين السمات الزنجية السائدة في الجنوب والقوقازية في الشمال (Tay and Saha 1988; Fox 1997). غض النظر عن أن هذه الحقيقة قد فُسرت بحسبانها تأتي من تدفق المورثات أو الاصطفاء المحلي، فإن السيناريو هو واحد يمثل التنوع التدريجي على امتداد المنطقة. تظهر مناظر مبكرة في الصحراء الوسطى، أن أسلوب "الرؤوس المستديرة" المعاصر تقريباً للعصر الميزوليتي، أشكالاً بشرية عادة ما تفسر بحسبانها تصور "زنوجاً" (Sansoni 1994; 1998). في فترة "البقريات" التالية والمؤرخة بعد بداية تربية الحيوانات في الألفية السابعة قبل تاريخ اليوم، فإن وجود أشكال عرقية مختلفة مشهود في المنطقة، مع الادعاء بأن الأشكال الزنجية سابقة للأوربوية (Muzzolini 1986; Gallay 1987).
 
من وجهة نظر لغوية، تقوت العلاقات بين اللغات النيلية - الصحراوية الحالية والتوسع الصحراوي - الساحلي عن طريق أعمال العديد من الباحثين في السنوات الأخيرة (Bender 1982; Blench 1993: 136; Ehret 2000: 281-9). آثارياً، يبدو أن فرضية الأصل الجنوبي قد تقوت بدورها، حيث أن الكميات الكبيرة من الهاربونات العظمية (المؤشر المتحجر الآخر للمركب الى جانب الفخار) والتكيف الاقتصادي المائي العام قد تم تسجيله بالنسبة لأفريقيا الوسطى، بتواريخ مبكرة بالنسبة لمواقع الكونغو مثل ايشانجو وكاتندا (McBrearty and Brooks 2000: 503-6, 510-13). هذا العمر الأقدم يبدو أنه يتطابق بل ويسبق الأهمية المدعاة لوادي النيل أو بحيرات شرق أفريقيا كمناطق أخرى لأصل الأحداث الثقافية للهولوسين الصحراوي (Stewart 1989).
 
كان هناك عدد من النظريات بشأن أسباب اختراع الفخار ووظائفه الأولى. أصر معظم المؤلفين على الإمكانيات الجديدة لمعالجة الطعام بالغلي والبخار الذى يجعل الطعام أيسر هضماً وألذ طعماً (e.g. Haaland 1992: 48). وسط الجماعات الميزوليتية للصحراء ووادي النيل يمكن أن تكون الوجبات مؤلفة من النباتات المجمعة (Ibid.)، في الغالب حبوب تكون بذورها قد تم الكشف عنها في الترسبات الآثارية (Barakat and Fahmy 1999) وسجلت طبعاتها على شقوف الفخار في العديد من المواقع الميزوليتية والنيوليتية المنقبة (Magid 1989; 1995; 1999; 2003; Stemler 1990). كما وافترض بأن السمك قد تمت معالجته في شكل مطبوخ أو حساء في جرار فخارية (Sutton 1974; Stewart 1989; Haaland 1992, among others). جمع النباتات وصناعة الفخار المنزلي تم تفسيرهما في العادة بوصفهما نشاطين نسائيين على أساس المعطيات الاثنولوجية الشائعة (Murdock and Provost 1973: table 1). فيما يتعلق بصيد الأسماك، فإن المعلومات المتوفرة اليوم، ومن ثم احتمالاً أيضاً في الماضي، تشير الى أنه نشاط رجالي في الأساس بنسبة 82% من دراسات الحالة الأفريقية (Ibid.: table 3). يقوم الرجال بتنفيذ نشاطات صيد الأسماك في الساحل ومناطق البحيرات، رغم أن حالات مشهودة لاشتراك النساء مثل ما هو الحال لدى النوير (Murdock 1967: 188). مع ذلك فإنه وفي بعض المجموعات التقليدية في الحدود الإثيوبية السودانية والذين سميوا في السابق بـ "أشباه النيليين" (see map in Fernández et al. 2003a: fig. 1)، مثل القمز، ومبان أو كوما، يمثل صيد الأسماك نشاطاً نسائياً في الأساس (Grottanelli 1948: 300; Cerulli 1956: 18-9).
 
إسهام النساء في صيد الأسماك كان أمراً محتملاً (Barich 1998: 108)، ارتباطهن الأكيد بالفخار والأغذية النباتية يقدم حالة جيدة للدور الانثوي الهام في التوسع الميزوليتي. نظام تبادل النساء عبر الزواج طُرح كتفسير محتمل للتشابهات في زخرف الفخار الصحراوي (Caneva 1988b: 369). إذا كان من الجائز عد الزخرف والسلوك الأسلوبي العام نظاماً لعرض المعلومات، الموجهة الى مجموعة سكان مستهدفة والتى تحتاج وتستطيع فك شفرة الرسالة (Wobst 1977)، فإن الرموز المحتواة في الجرار يمكن "قرائتها" من المحيط الأطلسي حتى البحر الأحمر. قد يكون مغرياً تصور أيديولوجيا واحدة مشتركة لكل هذه المنطقة الواسعة. تلميح بعيد لهذا المجال الأيديولوجي يمكن تتبعه في الأسلوب الغريب لمناظر الرؤوس المستديرة للفن الصخري في الصحراء الوسطى. هنا يتفوق عدد أشكال الرجال على النساء لكن يبدو أن الأخيرين يقمن في العادة بدور مهم (Sansoni 1994: 208; 1998: 149). في بعض الحالات يصور النساء بالقرب من حاويات نصف كروية تحتوي احتمالاً على بذور، أو يصورن وهن يرقصن في مناظر "تعبدية"، أجسامهن مزخرفة بموضوعات غنية (خدوش؟) أشبه بمناظر زخرف الفخار (Barich 1998: 112-3). الارتباط العادي بين الموضوعات المصورة على الجرار وعلى أجساد البشر قد تم تسجيلها في أفريقيا. إضافة فإن الفخار المكتشف في نبتا بصحراء مصر الغربية يدعى بأنه ارتبط بوظيفة اجتماعية ورمزية نسبة الى شحه (Close 1992: 162-3)، كما فُسر التقليد طويل الأمد للفخار السوداني رائع الزخرف الذى استمر حتى العصرين المروي والمسيحي بوصفه بينة دالة على أغراضه الطقوسية (Edwards 1996: 74-5).
 
وجد النساء والأطفال بكثرة في البينة الجنائزية المشهودة من العصر الميزوليتي. في موقع السقاي بالسودان، انتمت أربعة من كل خمسة مدافن لنساء (Coppa and Macchiarelli 1983: 118-22)، والقليل من المقابر التى نقبت في الصحراء، على سبيل المثال في وان موهجاج (ليبيا) وامكني (الجزائر) تنتمي لنساء وأيضاً أطفال (Barich 1998: 111). في موقع مرميدة بني سلامة النيوليتي المصري تم تفسير التداخل الخاص لمدافن النساء والأطفال كمؤشر محتمل للأمومية (Hassan 1988: 169). قامت النساء في النوبة أيضاً بدور هام في المجتمع النيوليتي المبكر، كما هو مشهود من المدافن الخاصة بالنساء والأطفال في جبانة البرقة بالقرب من كرمة (Honegger 2003: 289) والموقع المتميز لبعض مقابر النساء في الجبانة 18 بـ كدروكة (Reinold 2000: 80-1, 2001: 6). في فترة لاحقة تشير معطيات من جبانة كرمة الصغيرة في عبري بشمال السودان (Fernández 1982: 289-302)، والتى كانت فيها مقابر النساء أكثر ثراءً من حيث المحتويات مقارنة بمقابر الرجال، الى استمرارية الوضع المميز للنساء في المناطق الريفية البعيدة عن سيطرة المراكز مثل كرمة العاصمة نفسها.
 
العصر الميزوليتي في منطقة النيل الأزرق
كشف المسح الآثاري عن معطيات قليلة خاصة بالعصر الباليوليتي في المنطقة. تشير البقايا القليلة من العصر الباليوليتي الأوسط التى تم العثور عليها الى أن المنطقة لم تك غير مأهولة بصورة تامة، مع ذلك فإنها لا تضيف الكثير الى ما هو معروف مسبقاً من أماكن قليلة أخرى، مثل سنجة أو أبوحجار (Arkell 1949b: 45-7, pl. 27: 5-7). لم يتم التعرف على أية مواقع من العصر الباليوليتي الأعلى، مع أن أدوات حجرية تعد مميزة لذلك العصر توفرت بكثرة في المواقع الميزوليتية في الوادي الى الشرق أكثر منها في المواقع النيلية، يحتمل أن يكون ذلك نتيجة تأثيرات ثقافية من شرق السودان حيث تم تسجيل صناعات باليوليتية متأخرة (Elamin 1987; Marks 1987).
 
تشير بينة جيوكيمائية من المستويات القاعدية لموقع المهلَّب الى أن المناخ كان أكثر رطوبة قبل 8000 سنة مضت مقارنة بالسنوات اللاحقة (Lario et al. 1997). يبدو أن مجمل منطقة البحث تكاد تكون خاوية قبل الألفية الثامنة، احتمالاً بسبب فيضانات النيل الأزرق المتكررة وتكون مناطق مستنقعات بالقرب من مجرى النهر وفي الوديان (Wickens 1982: fig. 6). بشكل ملحوظ، فإن معظم التواريخ من مواقع ميزوليتية أخرى في منطقة الخرطوم هى أصغر من ذلك التاريخ، القليلة الأقدم (من موقع واحد، السروراب، انظر Khabir 1987) غير موثوقة لاحتمال كونها غير مرتبطة ببقايا ثقافية (Caneva 1999: 33). ست تواريخ من أبودربين بالقرب من عطبرة في شرق السودان بين 8640 و 8330 سنة مضت (Haaland and Magid 1995: 49)، قد يكون هذا مؤشراً الى وجود مؤثرات شرقية في المنطقة. تواريخ من المواقع النادرة المعروفة الى الجنوب من الخرطوم تلمح حتى الى تاريخ متأخر للتكيف الميزوليتي: على سبيل المثال 7470- 7050 سنة مضت في شابونا (Clark 1989: 389). فوق ذلك، لم يتم الكشف عن أي موقع ميزوليتي مهم خلال أعمال استكشافنا لمنطقة النيل الأزرق من ودمدني حتى سنجة (Fernández et al. 2003a: sites nos. 85-6, 92). العديد من الشقوف شبه الميزوليتية تم العثور عليها عن طريق المؤلف أثناء أعمال تنقيب حديثة في إثيوبيا بالقرب من الحدود السودانية (سقيفة بل كرمكو الصخرية في أسوسا، بني شنقول)، في مستوى مؤرخ بـ 5000-45 سنة مضت. كرونولوجيا مبكرة أكثر تم اقتراحها بالنسبة للقليل من الشقوف المزخرفة بخط متموج عُثر عليها في حوض بحيرة تركانا (Phillipson 1977a: fig. 16, 10; 1977b: fig. 19, 3). كل هذه البينة، رغم شحها، تلمح الى أصل صحراوي أكثر منه وسط أفريقي لثقافة الخرطوم المبكرة، والتى بدأت احتمالاً في تاريخ متأخر مقارنة بمنطقة القلب الميزوليتي (cf. Close 1995: table 3.1).
 
ما يميز منطقة الخرطوم بوضوح، عند مقارنتها بالمناطق المجاورة، هو وفرة الخط المحفور المتموج مقارنة بأشكال الزخرف الأخرى، تحديداً الطبع بالمهزة الذى يميز المناطق الأخرى. يوجد الخط المحفور المتموج كذلك في المناطق النيلية، لكن بدرجة أقل : 4% في شابونا (Clark 1989: fig. 12)ا، 11% في أبودربين (Haaland 1995: 113) وحوالي 16% في إقليم دنقلا (Shiner 1971: 141). بعض المواقع التى قمنا بمسحها والتنقيب فيها، مثل كارنوس أو شيخ مصطفى، تحتوي على نسبة من الشقوف المزخرفة بالخط المحفور المتموج تبلغ أكثر من 60%  (see Fernández et al. 2003a: table 5). تواتر عال تم تسجيله أيضاً في موقع الخرطوم المبكرة (Mohammed-Ali 1982: 76). تشير نتائجنا الاحصائية الى أن مواقع أكثر قدماً منتجة فقط لفخار مزخرف بخط محفور متموج بدون نوع المزخرف بالمهزة يمكن أن توجد ويمكن الكشف عنها في المستقبل (Fernández et al. 2003a: fig. 46). اختراع تقنية الخط المتموج في هذه المنطقة يمكن التكهن به باطمئنان ويحتمل ألا يكون تأصل الخطوط المتموجة في المناطق الأغنى بالمياه من بين كل امتداد المركب المائي مجرد صدفة فقط. لاحقاً استخدم الرمز نفسه ليمثل الماء في الخط الهيروغليفي المصري (Wilkinson 1992). الاستبدال التدريجي للزخرف المطبوع بالمهزة بزخرف خطي متموج كتقنية أساسية للزخرف، وهو ما يشهد عليه التواتر والمعطيات الاستراتيجرافية في كل من النيل الأزرق ونهر النيل، قد يكون انعكاساً لتأثيرات ثقافية متصاعدة من منطقة الصحراء. أيضاً فإن الوصول المبكر للفخار المزخرف بالخطوط المحفورة المتموجة الى النيل، وهو مشهود في بعض مواقعنا، يشير الى وجود صلات صحراوية خلال معظم العصر الميزوليتي. ثقافياً تنتهي منطقة السودان الأوسط بفقدانها لأصالتها وباندماجها في منطقة صحراوية أكبر. القليل من المواقع المكتشفة خلال أعمال المسح يمكن ربطها بالطور المتأخر للعصر الميزوليتي في المنطقة، والمتميز باختفاء الفخار المزخرف بالخطوط المتموجة ووفرة الفخار المزخرف بالمهماز (Caneva and Marks 1990: 21-2; Caneva et al. 1993: 247-8).
 
على ضوء توزيع مواقع الإقامة الميزوليتية على امتداد المنظر الطبيعي للنيل الأزرق، تم استنتاج نموذج للتحركات الفصلية بين منطقتي النيل والوادي. احتمالاً شأنهم شأن النوير الحاليين (Evans-Pritchard 1940)، تحركت المجموعات باتجاه النهر وتنقسم الى أجزاء صغيرة مع بداية فصل الجفاف، مركزة تدريجياً على مصادر المياه المتوفرة بنهاية الفصل. تم تثبيت أن المواقع الآثارية الصغير منها والكبير والمسجلة في المنطقة النهرية يمكن أن تتوافق مع معسكرات بداية العصر ونهايته. يبدو أن القرى الأكثر ديمومة تم تشييدها خلال موسم الأمطار وفيضان النهر، حين يمكن للناس الارتحال من السهل الغريني الى منطقة الوادي حيث جعلت الأرض المنحدرة الإقامة ممكنة. تحاليل بقايا الأسماك (Chaix 2003) واللقاحات (López and López 2003) تشير الى قرب مياه العمق في موقع الوادي (المهلَّب). كذلك تتوافق أنماط الإقامة واحصاء الفخار (Fernández et al. 2003a: section 6) مع النموذج الذى سبق اقتراحه على أساس التناظر الاثنوغرافي (Clark 1989: fig. 14).
 
قائمة المكتشفات الغزيرة التى عثر عليها في معظم المواقع تشير الى أن المجموعات أتت سنوياً الى النقطة نفسها، حيث احتفظوا في الغالب بجزء من متاعهم الشخصي المادي، على سبيل المثال حجارة الطحن الثقيلة، عندما يتحركون الى معسكرات وقرى جديدة. يحتمل كذلك أن يكونوا قد هجروا بعض جرارهم، لهذا السبب نجد الآن الكثير من الشقوف في المواقع. حوالي 150 شقف بمعدل متر مكعب من الترسيب الآثاري تم تسجيلها في شيخ مصطفى، بل حتى أكثر، 275 شقف في المتر المكعب في المهلَّب. الحجم المتوسط للشقوف في موقع شيخ مصطفى 7.3 سم2، والذى يمثل 0.4 % من مجمل المنطقة ذات الشكل نصف الكروي بفتحة يبلغ نصف قطرها 35 سم (Fernández et al. 2003b: table 4). كمتوسط قيمة، انكسرت كل جرة الى 250 شقف. هل يمكن أن يكون ذلك نتاج عملية متعمدة؟ كما يقول نيجل بارلي، "في أفريقيا يشمل الموت تكسير الجرار في حين يشمل الزواج صناعتها"  وقابلية الجرار على الانسحاق هو ما يجعلها "مصدراً للقوة الطقوسية" (Barley 1994: 92, 112).
 
بالإضافة الى الاختلافات المتزامنة المذكورة أعلاه يمكن أيضاً استنتاج تيارات تاريخية. التحليل الاحصائي لتوزيع الأدوات في الموقع سمحت بتعويض جزئي للعمليات التفريغية الفاعلة منذ أزمان ما قبل التاريخ، ويمكن إعادة تركيب بعض من الترتيب الاستراتيجرافي بربط المعطيات من المناطق المركزية والهامشية لكل موقع (Fernández et al. 2003b: fig. 11, passim). توفر نتائج الفخار الإحصائية بعض بينة دالة على انتقال الإقامات من الوادي الى النهر بنهاية العصر الميزوليتي، احتمالاً تحت تأثير تدهور المناخ في تلك الفترة. وتقدم البقايا الحيوانية أيضاً بعض المفاتيح لانخفاض عام للرطوبة خلال العصر الميزوليتي. بالتالي فإن عظام الأسماك أكثر تواجداً في المستويات السفلى المنقبة في شيخ مصطفى، ومؤرخة بحوالي 7930 سنة مضت، أكثر منها في المستويات الأعلي وفي المهلَّب، مؤرخة بـ 7705- 6940 سنة مضت (Chaix 2003). تدعمت النزعة لاحقاً أربعة ألف سنة في النيل الأزرق : مسارات المقاومة وطرقها عن طريق مستوى رملي في المستويات العليا في موقع المهلَّب مشيراً الى ظروف جافة في وقت بين حوالي 7400 و 6900 سنة مضت (Fernández et al. 2003b: section 1).
 
يشير تحليل المواد الحجرية في شيخ مصطفى والمهلَّب أيضاً الى التحول من الرؤوس المدببة والقليل من الأدوات الهلالية الشكل الى العكس، الكثير من الأخيرة، بخاصة الأشكال العريضة، والقليل من الرؤوس المدببة. استمرت هذه النزعة خلال العصر النيوليتي عندما أصبحت الأدوات الهلالية العريضة هى السائدة. تم تفسير التحول بوصفه مرتبطاً بالتغير المناخي وما نتج عنه من وفرة حيوانات الصيد. العديد من النصال ذات الرؤوس المدببة من الأزمان الأسبق، والمتكررة بخاصة في المستويات السفلى في شيخ مصطفى، كان من الممكن استخدامها سنارات لصيد الأسماك، طالما أنه لم يتم الكشف عن هاربونات عظمية. كل من تحليل البقايا الحيوانية (Chaix 2003) وتحليل الحميات القديمة للعظام البشرية (Trancho and Robledo 2003) من المستوى نفسه تشير الى استهلاك عال للأسماك. يحتمل أن تكون بعض الرؤوس والأدوات الهلالية غير العريضة قد استخدمت رؤوس الأسهم حادة، الفاعلة لقتل الحيوانات الكبيرة، في حين كانت الهلالية العريضة أكثر فاعلية كرؤوس أسهم لصيد الحيوانات الصغيرة الأشد سرعة (Clark et al. 1974; Nuzhnyi 1989). تظهر المعطيات الحيوانية من المواقع الثلاثة تدنياً مستمراً في حجم الصيد من المواقع الميزوليتية المبكرة الى المتأخرة ومن ثم في الموقع النيوليتي في شيخ الأمين (Chaix 2003; Fernández et al. 2003b: fig. 66).
 
الانتقال الى اقتصاد نيوليتي
في حين ساد اعتقاد بأن ثقافة الخرطوم النيوليتية تطورت عن الخرطوم الميزوليتية إلا أن هناك انقطاع في التواريخ الراديوكاربونية وفي المعلومات من فترة الانتقال مما أربك الباحثين لسنوات طويلة (Marks et al. 1985: 262-3). لاحقاً جاء البحث ليغطي الفجوة بطريقة ما، مع بعض المواقع المؤرخة بالنصف الثاني للألفية السابعة : القلعة و الكباشي على النيل الى الشمال من الخرطوم (6620- 6150 سنة مضت Caneva et al. 1993: table 1) أو المستويات الوسطى في كهف شقدود في شمال البطانة (Caneva and Marks 1990). يقع أحد التواريخ الراديوكاربونية من شيخ مصطفى في إطار الفترة الموضحة (6295 سنة مضت)، لكنه يتناقض مع البينة من بقية التواريخ المقبولة والمظهر العام المبكر للثقافة المادية في الموقع.
 
تُظهر مقارنة نماذج الفخار المقترحة للمواقع الميزوليتية والنيوليتية في أعمال المسح التى قمنا بها (Fernández et al. 2003a: figs. 46 & 56) أن زخرف الفخار كان في نهاية الفترة الأولى وبداية الثانية قام في الأساس على التقنية ذاتها، تحديداً تقنية الطبع بالمهزة. مع ذلك، فإن معظم المتغيرات الأخرى مختلفة : الجرار النيوليتية مصنوعة بطريقة أكثر دقة، مع جدران نحيفة، وسطوح خارجية مصقولة ومنسابة، وتظهر أشكال جديدة أصغر منذ البداية، مثل تلك ذات العنق الأسود. الانطباع العام عن الفخار أنه من نوع جد مختلف. حتى الطبع بالمهزة القديم يبدو متغيراً الآن، يدمج أدوات مشطية مختلفة وأكثر دقة.
 
تحول هام يحدث في نمط الإقامة : لم يوجد موقع ميزوليتي واحد هام مأهول خلال الفترة اللاحقة. معظم الإقامات النيوليتية، إن لم يك كلها، أصبحت مأهولة حينها للمرة الأولى. رغم أن بعض شقوف ميزوليتية قد تم العثور عليها في بعض المواقع النيوليتية (Arkell 1953: 68; Krzyzaniak 1978: 171)، فإنها تأتي من مواقع كانت احتمالاً معسكرات قصيرة الأجل مثل تلك التى اكتشفناها خلال بحثنا (Fernández et al. 2003a, fig. 48). حتى لو أخذنا في الحسبان حالة موقع شيخ الأمين النيوليتي، حيث كشفت أعمال التنقيب التى نفذناهاعن كمية محددة من شقوف ميزوليتية مزخرفة بالخط المحفور المتموج، فإن بينة دالة على انتقال محلي بين الفترتين لا تبدو متوفرة. انطباعي العام، من ثم، أن تحولاً هاماً حدث في المنطقة بوصول مجموعات جديدة تتبنى اقتصاداً رعوياً مختلفاً.
 
تمثل التغيرات المناخية الجارية في حوالي 6000 سنة مضت الـ "طور الجاف الطويل للهولوسين الأوسط" في الصحراء (Muzzolini 1995: fig. 30)، والذى يتوافق مع المستوى الأدنى لحرارة سطح البحر المسجل بعد 5900 سنة مضت (Hassan 2002: 322) والـ "طور الجاف ما قبل النيوليتي والنيوليتي المتأخر" لسجل نبتا بلايا في صحراء مصر الجنوبية الغربية (Schild and Wendorf 2002: 24). يحتمل أن يكون هذا التدهور أصل انكماش الاقتصاد المائي الذى كان سائداً في السودان الأوسط على امتداد الألفية السابقة. في الحقيقة فإن المواقع النيوليتية على ضفة النهر مثل الشهيناب والجيلي هى فقط التى احتوت على بقايا معتبرة للأسماك ضمن مجاميعها الحيوانية (Krzyzaniak 1978: 165; Gautier 1988). في شيخ الأمين، فإنه وبالرغم من العثور على سنارة لصيد الأسماك أثناء أعمال التنقيب، فإن بقايا الأسماك كانت قليلة للغاية (Chaix 2003: table 12). عند مواجهة التدهور المناخي اضطر الأفارقة الى الاختيار "بين مواطنهم وبيئاتهم" (David 1982: 50)، ولا يمكن استبعاد إمكانية هجرة بعض المجموعات الميزوليتية أبعد الى الجنوب حيث كانت الرطوبة لازالت مرتفعة.
 
تقليد لوكابلو، المسمى باسم سقيفة صخرية في شرق الاستوائية على بعد حوالي 1000 كيلومتر الى الجنوب من الخرطوم والمؤرخ بـ 3800 سنة مضت، رغم قلة المعرفة به بسبب الانقطاع في العمل نتيجة الحرب الحالية، يقدم بعض الخصائص التى تذكرنا بالميزوليتي في السودان الأوسط (David et al. 1981). الفخار ملطف بالكوارتز ومزخرف أساساً بالطبع بالمهزة (مع أن المنقبين تعرفوا فقط على نمط متعرج متباعد)، بما في ذلك شقوف مزخرفة بخط محفور متموج (Ibid.: fig. 6, pl. 1). يحذر بيتر روبرتشو من موازاتها بتقنية الزخرف نفسها (عموماً، طبع بالمشط) من مناطق بعيدة، مجادلاً بأن شقوف لوكابلو تختلف عن شقوف جبل مويَّة وبالتالي يرفض وجود صلات بين ثقافات جنوب ووسط السودان ما قبل التاريخية (Robertshaw 1982: 92). مع ذلك، فإن الفخار الميزوليتي بالمهزة للسودان الأوسط يختلف هو الآخر بوضوح وأقدم من جرار جبل مويَّة المطبوعة العادية، وتبدو مقارنة روبرتشو لفخار لوكابلو والفخار الكيني الكانيوري، والذى يبدو أن جزءاً منه صنع أيضاً بالطبع العادي، غير مثبت (Ibid.: fig. 2). تألفت البقايا الحيوانية في لوكابلو فقط من الحيوانات البرية التى تم اصطيادها ووفرت الترسبات المنقبة عدداً لا بأس به من صدف المحار، رغم أنها فاقدة لبقايا أسماك (David et al. 1981: 11-19; David 1982: 52-3). مع ذلك، تشير المعطيات اللغوية الى وجود اقتصاد يقوم على إنتاج الطعام في جنوب السودان منذ الألفية قبل الميلادية الثالثة وبالتالي تناقض السيناريو الناتج من لوكابلو ومواقع أخرى في شرق الاستوائية، والتى تدل على اقتصاد يقوم على الصيد في العصر الحجري المتأخر استمر حتى الألفية الميلادية الأولى (David 1982: 53). موقع جبل توكي الأبعد الى الغرب، بتاريخ أصغر (2130 سنة مضت)، أعطى أبقاراً مدجنة كبيرة  (Ibid.: 51) وفخاراً مطبوعاً بالمهزة والذى تعرفت علية راندي هالاند بوصفه مشابهاً لتقليد الخرطوم النيوليتية  (Haaland 1992: fig. 11, 61-2).
 
بعض المعطيات غير المنشورة من البحث الأسباني الأخير الذى أشرف عليه المؤلف في بني شنقول، غرب إثيوبيا، وفي منتصف الطريق بين الخرطوم ومناطق شرق الاستوائية، ذات قيمة محتملة هنا. قدمت أعمال التنقيب في العديد من السقائف الصخرية بالقرب من مدينة أسوسا كمية معتبرة من شقوف شبه ميزوليتية ملطفة بالكوارتز وبزخرف خطي متموج وزخرف مطبوع بالمهزة. كما هو الحال في موقع لوكابلو، في سقيفة كوركومو الصخرية يبدو الفخار في الجزء الأعلى (مؤرخ راديوكاربونياً بـ 4965-4470 سنة مضت) من مستوى يرجع للعصر الحجري المتأخر مع صناعة غير معرفة لرقائق ونصال من الكوارتز. أشكال الفخار نفسها تستمر في المستوى الأعلى، سوياً مع صناعة مشابهة لكن مع أدوات أقل رسمية، تؤرخ بـ 2020-875 سنة مضت. في سقيفة قريبة أخرى أجرى فيها تنقيب تظهر شقوف مزخرفة بالمهزة وبخطوط محفورة متموجة جنباً الى جنب مع أشكال فخار مختلفة، تؤرخ ببداية الألفية الميلادية الثانية. اقتصاد تلك المجموعات لازال غير معروف حيث لم يتم حفظ العظام في طبقات السقيفة، كما ولم يتم العثور على بقايا نباتات لا فى الترسبات ولا في شقوف الفخار. تم العثور على خطاف فخاري مشظى في السقيفة (Haaland 1992: fig. 3) مما قد يشير الى بعض نشاطات صيد الأسماك. على أية حال، يذكرنا استمرار أشكال الفخار القديمة حتى الألفية الميلادية الأولى بالبينة من شرق الاستوائية، وكذلك بالسمات العتيقة للسكان قبل النيوليتيين في المنطقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا (Grottanelli 1948). بعض تلك السمات، مثل علاقة جمع النباتات وصيد الأسماك، وانعدام المواشي الضخمة، وبقايا القرابة الأمومية، وخلع الأسنان القاطعة (Murdock 1959: 170-80; Bender 1975: 9-19) بل حتى الخصائص المورفولوجية العرقية (Arkell 1949a: 114) تذكرنا الى حد ما بسمات الخرطوم الميزوليتية.
 
يُظهر موقع شيخ الأمين اختلافات هامة عند مقارنته بالمواقع النيوليتية الأخرى المعروفة في المنطقة. أولاً وقبل كل شئ يقع في سهل البطانة بعيداً عن النيل، ويعني هذا توجهاً نحو اقتصاد سافنا مع القليل من استغلال الأسماك. يبدو أن المواشي كانت أقل من حيث العلاقة بالسكان، حيث أن البقايا الحيوانية كانت خاصة في الأساس بحيوانات صيد (Chaix 2003: table 12). بعد الأزمة المشار إليها أعلاه في بداية العصر النيوليتي، أصبح المناخ رطباً مجدداً كما تشير الى ذلك البقايا الحيوانية والنباتية (see Magid 2003: table 1). يبدو أن استغلال النباتات الصالحة للطعام كان مكثفاً في الموقع، حيث تم تسجيل 30 طبعة نبات على جدران الفخار. نسبة الشقوف الحاملة لطبعات نبات، مع ذلك، لم تكن أعلى بل أدنى مقارنة بالمواقع الميزوليتية، آخذين في الحسبان اجمالي الشقوف المكتشفة والمدروسة. تدل المؤشرات على توجه أقوى باتجاه نشاطات جمع والتقاط خلال الأزمان النيوليتية في سهل البطانة. الأعداد الكبيرة من حجارة الطحن المنقبة في الموقع، وهو الرقم الأكبر في مجمل المنطقة، تلمح أيضاً الى التفسير نفسه. تناقص عدديتها في أجزاء الموقع اللاحقة قد يشير احتمالاً الى تناقص أهمية استغلال النباتات عندما تغير المناخ باتجاه الظروف الجافة الحالية في العصر النيوليتي المتأخر. بالنسبة لموضوع زراعة النباتات المبكرة خلال العصرين الميزوليتي والنيوليتي والذى شكل مثاراً للكثير من المجادلات (انظر حجج حديثة Haaland 1996; 1999; Magid and Caneva 1998)، فإن التنوع الكبير في الأنواع التى توفرها المعطيات، مع 10 نباتات محتلفة تم التعرف عليها في 39 طبعة فخار، يشير الى مدى واسع من استغلال البيئة، موجه الى الحبوب والفواكه، أكثر من كونه ستراتيجية متمركزة على نبات حبي معين، حتى وإن كانت الذرة السكرية هى الأكثر تجلياً بين الأنواع كما هو الحال في المواقع السودانية الأخرى (Magid 1989; 2003; Magid and Caneva 1998).
 
الفجوة في السجل الآثاري : تراجع أم مقاومة
شهدت المجتمعات النيوليتية في مجمل الصحراء تغيرات هامة باتجاه "التعقد"، كما أسماه عادة علماء الآثار والمؤرخون، لكن يكون من الأفضل وصفه بـ "عدم المساواة" (Paynter 1989; McGuire and Paynter 1991; Price and Feinman 1995). كما تجري المجادلة انطلاقاً من المعطيات الأنثروبولوجية، فإن رعاية الحيوانات، بخاصة الأبقار تشتمل على التزامات تتطلب المواظبة بحيث تكون هناك نزعة كلية لجعل القطعان ملكية خاصة لأسر ممتدة في داخل العشائر. يشتمل هذا على تحول أساسي في العلاقات الاجتماعية للإنتاج وأيديولوجيا الهيبة والامتيازات (Ingold 1980). آثارياً تم تفسير ظهور أولى زرائب الحيوانات في المجتمعات الزراعية المبكرة بحسبان ذلك بينة دالة على نوع من الملكية الخاصة. في موقعي مرميدة والعمري بمصر تسير هذه الظاهرة جنباً الى جنب مع فصل مطامير الحبوب داخل الأكواخ، بدلاً عن المطامير الجماعية المشتركة المسجلة في موقع الفيوم الأقدم (Hassan 1988: 154-5; Midant-Reynes 2000: 116). في منطقة الصحراء، تتغير مناظر الفن الصخري للطور البقري مما كانت عليه في طور الرؤوس المستديرة الأسبق، مع تصوير أقل للأشكال الأنثوية في الرسوم التى تتوافق مع ظهور أيديولوجيا رعوية تراعي أهمية أكبر للأشكال الذكورية (Barich 1998; Gifford-Gonzalez 1998).
 
رغم عدم وجود بينة لهذا النوع من المطامير أو الزرائب الفردية في الخرطوم النيوليتية، فإن العديد من المؤشرات تشير الى بداية عدم مساوة اجتماعية آخذة في البروز في المنطقة. ففي جبانة الكدرو النيوليتية، فإن كل من الوضع والمرفقات الجنائزية في المقابر استخدمت لتمييز الموتى (Krzyzaniak 1991: table 1, figs. 2-3)، غالباً وفق وضعهم الاجتماعي (Binford 1971: table 4). أهمية الرجال في الموقع جلية، 20 من بين 28 مقبرة لأفراد بالغين يمكن التأكيد عليها، وست من الثماني الأكثر ثراءً تنتمي لأفراد ذكور (Krzyzaniak 1991: table 2). أدوات صنعية اجتماعية تقنية مهمة، مثل رؤوس صولجانات من حجر سماقي تم العثور عليها في كل الحالات في ارتباط بمقابر أفراد ذكور بالغين. تنسب الى مقابر النخب الاجتماعية أيضاً مرفقات جنائزية تشمل أصداف بحرية وموضوعات من الملاكيت/الأمازونيت المستوردة من الخارج (Ibid.: 531). حقيقة أن مقبرتين من بين المقابر الأكثر ثراءً كانتا خاصتين بأطفال يمكن أن تشير الى أن الامتيازات لا تكتسب فقط خلال حياة الفرد لكنها موروثة، كما تم افتراضه كسمة خاصة بالمجتمعات التراتبية المشيخية (Peebles and Kus 1977). الدليل على أن هذه العملية كانت مستمرة بلا توقف في السودان الأوسط يأتي من جبانات الكدادة، حيث تُظهر المقابر فقط بعد قرون قليلة لاحقة (تؤرخ الكدرو بـ 5900-5000 سنة مضت؛ والكدادة بـ 4800-4600 سنة مضت) مدى واسع من الاختلافات في ثراء المرفقات الجنائزية، بما في ذلك مدافن ثانوية للقرابين البشرية (Reinold 2000: 70-1).
قد يكون موقع شيخ الأمين ذو علاقة بهذا الموضوع. لقد تم تنقيبه بصورة شاملة على مساحة 140 متر مربع، مع ذلك لم يتم الكشف عن أي مؤشر لوجود مدافن بشرية نيوليتية. شقوف من أواني فخارية والتى تُعد شارات امتياز وارتبطت تحديداً بالمقابر، مثل الأقداح ذات الفم المتوهج (Reinold 2002: fig. 4) لم توجد هى الأخرى. حتى الأزاميل من الريوليت، والتى تم من الحين الى الآخر تحديد طبيعتها الاجتماعية التقنية (Haaland 1987: 221) يندر وجودها في الموقع حيث تم الكشف فقط عن 26 قطعة منها. في الإقامة النهرية النيوليتية في الشهيناب حسبت 467 قطعة بعد استبعاد المكسر منها (Arkell 1953: 31). يشير انعدام بينة الى تنظيم مساواتي أكثر للمجموعة مقارنة بالجماعات التى عاشت في المواقع النهرية، احتمالاً في ارتباط بتكيفها الاقتصادي القائم على الصيد/الجمع مع عنصر رعي محدود (13.1 % من العظام التى تم التعرف عليها، انظر Chaix 2003: table 12). ناقش العديد من الباحثين الصعوبات التى يواجهها الصيادون الحاليون عندما يخطون باتجاه إنتاج الطعام، بخاصة دمج الرعاوة (Smith 1990; Marshall 2000: 215)، على أساس البينة الحالية عن الصيادين الذين يعيشون على هامش المجتمعات الرعوية (Smith 1998: 26)، واستمرارية الصيد عنصراً للرعاوة المعممة (Marshall and Hildebrand 2002: 121).
 
غالباً ما يمثل موقع شيخ الأمين تكيفاً قصير الأجل لنظام بيئي سافانا، يقوم على تدبير طعام متعدد الموارد في قرى صغيرة شبه مستقرة. يمكن أن يتوافق كهف شقدود، وهو معسكر دائم لصيادين/جامعين بدون مواشي حتى تاريخ متأخر للغاية، مع التكيف نفسه لمجموعات تعيش بعيدة عن النيل في الفترة نفسها تقريباً (Marks and Mohammed-Ali 1991).
 
تتجلى التغيرات الثقافية والاقتصادية في السجل الآثاري بعد عدة قرون لاحقة. تقدم مواقع نيوليتية متأخرة قمنا بدراستها خلال أعمال المسح التى أجريناها، مثل رابوب، وود الأمين والمؤرخين بفترة تعقب 4500 سنة مضت، سمات مختلفة نوعاً ما. يتبع التوزيع السطحي للأدوات الصنعية نموذج "ركام سطحي عريض sheet midden" الذى تم تفسيره بوصفه نتاجاً لإعادة الحياة الفصلية في الموقع، مع تشييد الناس لخيامهم أو أكواخهم المؤقتة واختيارهم لمناطق الفضلات في أماكن مختلفة كل عام (Sadr 1991: 21-3). مخطط الموقع في شيخ الأمين مختلف، مع  تلال ركام متجمعة محاطة بمناطق خاوية - مناطق سكنية منظفة - يمكن أن تتوافق مع اقامة دائمة أو على الأقل "متوسطة" المدى عاش الناس فيها لفترة طويلة في المنشئات نفسها (Ibid). من ثم  يلاحظ تحول الى نظام اقتصادي أكثر حركية في نهاية العصر النيوليتي، والذى يمكن أن يتوافق مع بداية اقتصاد رعوي مكثف أكثر في المنطقة كما جادل العديد من الباحثين (Krzyzaniak 1978; Haaland 1987; Caneva 1988b).
 
يدلل تحليل الفخار والاحصائيات للمواقع النيوليتية المنقبة الى أن هناك استمرارية معتبرة لكل من تقنيات تصنيع الفخار وأشكال الزخرف على امتداد الفترة (Fernández et al. 2003a: fig. 56). نماذج مماثلة لنوع من تنوع آثاري تم طرحها في أماكن أخرى بوصفها بينة لديمومة ثقافية وديموغرافية غير متقطعة (بالنسبة للايبي باليوليتي في المغرب انظر Lubell et al. 1984: fig. 3.4). بالتالي يبدو، على عكس البينة المشار إليها أعلاه بالنسبة لبداية الفترة، أنه لا يوجد دليل على فجوة ثقافية و/أو ديموغرافية خلال النيوليتي السوداني كما تم افتراضه من قبل هالاند (1987, 1992). يبدو أكثر احتمالاً أن تكون نفس مجموعات البطانة النيوليتية المبكرة من شيخ الأمين ومواقع أخرى مثل الأحامدة (Fernández et al. 2003a: section 7)، قد أخذت باستمرار في هجران اقتصادهم المستقر وتبنوا اقتصاداً رعوياً أكثر حركية. التوسع الناتج لمناطقهم السنوية فرض المزيد من الصلات مع مجموعات شرق السودان، كما ينعكس ذلك في زيادة الزخرف المطبوع البسيط في جرارهم على امتداد الفترة.
 
التزايد المتصاعد لظروف الجفاف في المنطقة (Wickens 1982: 44-7; Hassan 2002: 323) كان في الغالب أحد الأسباب الأساسية لتحرك جماعات السافانا المتزايد. لكن المناطق النهرية كانت لازالت أكثر ملائمة للاستقرار الإنساني ومع ذلك تبدو فاقدة كلياً لبقايا آثارية من هذه الفترة. لاحقاً تأتي فترة تتميز بعدم وجود أية بقايا آثارية في كلا المنطقتين النهرية والسافانا، مع استثناء محتمل لبعض التلال الجنائزية (Caneva 2002). تتوافق هذه الفترة تقريباً مع الفاصل بين 4000 و 2500 سنة مضت (حوالي 2500 - 700 ق.م. معايرة) يُعلم التاريخ الأخير بداية المرحلتين النبتية - المرَّوية في الألفية الأولى ق.م. هذا "الاختفاء" للثقافات النيوليتية المتأخرة في السودان الأوسط تم ربطه بزوال المجموعة الأولى النوبية، كلاهما في الغالب بسبب التحولات في ميزان القوة في مصر وشمال السودان، تحديداً بروز الدولة المصرية ومملكة كوش في كرمة (Caneva 1988b: 371). أصل خارجي تم افتراضه من قبل هالاند (1987: 224-231, 1992: 58-61) التى تطرح سيناريو مثير للتنافس بين المجموعات المتحدثة بلغات نيلية صحراوية مع تكيف متعدد الموارد (الخرطوم النيوليتية) والرعاة المتحدثين بلغات كوشية (تقليد البطانة- خشم القربة). المجموعة الأولى يمكن أن تكون قد هاجرت باتجاه الجنوب، محافظة على نمط حياتها في أنظمة بيئية رطبة في حين كانت منطقة الخرطوم مأهولة بالمجموعات الثانية القادمة من شرق السودان. الكشف عن مدافن تلية مؤخراً في منطقة الخرطوم، والمؤرخة بـ 3220 سنة مضت ومع فخار بارز الى الوراء مشابه لفخار ثقافة المدافن النوبية المغورة pan-graves في شمال السودان ومجموعة مكرم في شرق السودان (Caneva 2002)، أسلاف البجة الحاليين المتحدثين بالكوشية (Sadr 1990)، قد يبدو دعماً إضافياً لفرضية صلة ثقافية في السودان الأوسط.
 
نتائج المسح الذى نفذناه لا تؤكد على كل مثل هذه الاستنتاجات. يحمل الفخار من المواقع النيوليتية المتأخرة فقط بعض التشابهات مع المصنوعات الشرقية، ويبدو أن تنوعاً تدريجياً أساسياً في أشكال الزخرف خلال الأزمان النيوليتية المبكرة والمتأخرة يستمر بدون انقطاعات مهمة حتى لحظة ظهور المصنوعات اليدوية المزخرفة للعصر المرَّوي (Fernandez et al. 2003a: section 7). إضافة، لم تكن اللغة التى كتبت بالخط المرَّوي في نهاية الألفية الأولى السابقة للميلاد والقرون الميلادية الأولى، والتى غالباً ما كانت مستخدمة في الحديث في أنحاء كثيرة من السودان الأوسط، كوشية لكنها انتمت الى أو على الأقل كانت ذات علاقة بعائلة اللغات النيلية الصحراوية (Bender 2000: 56).
 
يكشف الاستقصاء الآثاري للجبانات السودانية النيوليتية، مثل كدروكة والكدادة، أن مرحلة تكاد تكون "ما قبل أسرية" تم الوصول إليها في النوبة والسودان الأوسط تقريباً في الوقت نفسه، النصف الثاني من الألفية السادسة النصف الأول من الألفية الخامسة، أي، في نهاية الألفية الخامسة وخلال الألفية الرابعة ق.م. وفق التواريخ المعايرة  (Reinold 2000: 58-85). مع ذلك فإن الانتقال الى تنظيم دولة تم فقط في المنطقة الشمالية، مع بزوغ مملكة كرمة. اللافت للانتباه أن وادي النيل النوبي، مثله مثل وادي النيل المصري، يستجيب الى شرط مسبق هام واحد وهو الذى يجادل كارنيرو (Carneiro 1970)  بشأنه في نظريته المشهورة عن الدولة، تحديداً "المحدد البيئي". يظهر هذا الظرف عندما يعيش سكان متزايدون في منطقة محصورة، تحدها الجبال، والغابات، والصحارى أو البحار (Claessen and Skalník 1978: 13). الصحارى الممتدة لم تكبح مجموعات السودان الأوسط وجعلت وفرة أراضي قريبة ملائمة وغير مأهولة أمراً ممكناً لتلك المجموعات تفادي الانتقال الى تنظيم اجتماعي لا مساواتي.
 
معروف أن مجتمعات الصيد والزراعة البسيطة تتبع بصورة شاملة ستراتيجيات معتادة للحفاظ على المساواة الاجتماعية (Clastres 1978). واحدة من تلك الاستراتيجيات قد تكون في هذه الحالة التحول الى اقتصاد أكثر تحركاً بما يقارب الرعاوة المتخصصة. بدلاً عن تبني ستراتيجيات زراعية - رعوية في السهول الغرينية كما فعلت المجتمعات المصرية والنوبية، تختار مجموعات الساحل النيلي الهروب من النهر والتجول في السافنا المتزايدة الجفاف. (هل يمكن لهذا الظرف أن يكون سبباً أساسياً لتباطؤ النشاطات الزراعية في المنطقة؟) عدت المجتمعات البدوية الأفريقية عادة بوصفها جوهرياً أنظمة حكم مساواتية، في الكثير من الحالات بدون سلطة مركزية وتسودها ايديولوجيا "ديمقراطية"  (Bonte and Galaty 1991: 23-4). القاعدة المادية لهذا الظرف تكمن في حقيقة أن ثروة الماشية، وإعادة الإنتاج الذاتية، والحركية لا يمكن السيطرة عليها ببساطة وأن يصعب على الرعاة المترجلين على أقدامهم استغلال عمل آخرين بحجم كبير (Goldschmidt 1979: 23). أحد أفضل الأمثلة المشهودة تاريخياً "للديمقراطية الرعوية"، القريبة جغرافياً من منطقتنا، هو شعب الأرومو في جنوب إثيوبيا وشمال كينيا (Legesse 2001). رغم أنهم في الأصل يعيشون في إطار مساواتي، فإن الأرومو أصبحوا يعيشون حكماً مطلقاً بصورة متزايدة في الأزمان الحديثة (Hultin 1979)، وتمددوا عن طريق الغزو في امتداد واسع بجنوب إثيوبيا ودمجوا عدداً من المجتمعات غير المعقدة في ممالكهم (Hassen 1994).
 
انتمت بعض تلك المجتمعات المساواتية الى مجموعة مجتمعات نيلية صحراوية أكبر في الحدود الإثيوبية السودانية التى ذكرناها آنفاً (Grottanelli 1948; Cerulli 1959; Murdock 1959: 170-80). تاريخياً لجأ السكان في هذه المنطقة الى تقاليد ثقافية لتجنب الخضوع والاندماج الثقافي، كمثال لـ "المقاومة الثقافية" أو "الريفية المتجذرة"  (Jedrej 1995: 3). تم تسجيل التشديد على الثقافة المادية التقليدية ورفض التجديدات في حالات أخرى معروفة لدمج الهُويَّة والمقاومة (e.g. Levi 1998). فُسر بناء المدافن الكبيرة، رغم اختلاف محتواها عن الثقافات الميجاليثية الأوربية، بوصفه وسيلة مقاومة ضد الإنقسام الاجتماعي (Criado 1989: 91-2). كمحاولة جماعية شديدة الارتباط بالمجال الرمزي، يمكن أن تكون التلال الجنائزية في السودان الأوسط شكلت نموذجاً مميزاً لطقوس احتفالية، بمعنى استهلاك لقوة عمل جماعية من أجل مصلحة المجموعة بكاملها.
 
أصبح تنظيم الدولة مثبتاً في النهاية في السودان الأوسط في أزمان مملكتي نبتة ومروي. ساد النظام الاجتماعي نفسه على امتداد فترة مملكة علوة المسيحية في القرون الوسطى وسلطنة الفونج الإسلامية في سنار حتى الاحتلال المصري في 1821 ميلادية. لكن تلك الحكومات كانت أنظمة نهرية في الأساس، وتكشف نتائج المسوحات الآثارية السابقة في البطانة (Hintze 1959) ومعطياتنا الخاصة عن القليل من مواقع الإقامة، إذ كانت المواقع الآثارية الأساسية من تلك الفترات متمثلة مرة أخرى في تلال الدفن (Fernández et al. 2003a: section 8).
 
تشهد بعض المعطيات اللغوية والتاريخية في المنطقة على وجود تحركات سكانية وصلات على امتداد سهل البطانة والنيل الأزرق، تربط السودان الأوسط وجرف الهضبة الإثيوبية. بداية انفصال لغات كوناما، وهى لهجة يتحدث بها اليوم في جنوب غرب ارتريا، ولغات الكومان، المتحدث بها في وسط الحدود الإثيوبية السودانية، عن مجموعات اللغة الشمال سودانوية الأولى والنيلية لصحراوية الأولى  (Ehret 2000: 273-7). يمكن تفسير تلك بوصفها أولى الانقسامات التاريخية للسكان النيليين الصحراويين الأوائل عن السلالة الموجودة في السهول الصحراوية والسودانية. من ثم لدينا التشابهات الملاحظة بين اللغتين المرَّوية والباريا، وهذه الأخيرة هى لغة نيلية صحراوية ارترية، الناتجة عن تأثير لغة الدولة على السكان في المناطق الحدودية (Trigger 1964; Bender 1981; 2000: 56). تم ربط المرَّوية كذلك بلغات الكومان (Shinnie 1967: 132, n. 7). تشير معلومات الرحالة العرب القروسطيين الى أن السكان الكوناما والباريا كانوا قد استقروا في تلك الفترة بالقرب من حاضرة مملكة علوة المسيحية، والتى يستخلص منها أن هجرتهم تمت منها لاحقاً الى الأراضي المرتفعة (Murdock 1959: 170; Pankhurst 1977: 3). يشير التاريخ الشفهي للسكان البرتا، الذين يعيشون حالياً في جانبي الحدود الوسطى، أنهم أيضاً ارتحلوا الى الأراضي المرتفعة من الأجزاء الجنوبية لمملكة سنار في أزمان حديثة (Triulzi 1981: 21-5).
 
احتفظت كل تلك المجموعات الحدودية بنشاطات صيد/جمع حتى وقت قريب جداً، ورغم أن بعضها مارس رعي الأبقار، فإن أولئك في الجرف الغابي كانوا  يمارسون الزراعة المعزوقة (Cerulli 1956: 179). الشح الحالي أو قلة الأهمية للمواشي، على كل، لا تعنى الظروف نفسها في الماضي، طالما أن المجموعات قد تكون فقدتها بسبب التأثيرات المؤذية للمثقبيات في الغابات على الأبقار عند وصول الأخيرة من السهول الى الأراضي المرتفعة (Gifford-Gonzalez 2000: 119-23). كان التنظيم الاجتماعي لتلك المجتمعات مساواتي في الأساس حتى أزمان قريبة (Grottanelli 1948: 311-5; Murdock 1959: 176).
 
ما يتوفر لنا من كل تلك المعلومات يحتمل عده جزءاً من عمليات تاريخية طويلة الأمد في منطقة الساحل الشرقية. قرب منطقة جبلية غابية ورعدية قد يكون شكلَّ قوة جاذبة كمنطقة لجوء لمجموعات صغيرة مستقلة دمجت بين نظام اجتماعي مساواتي وانتماء لغوي عام  لعائلة اللغات النيلية الصحراوية. تشير لغاتهم المحددة التى تنتمي الى ست فروع للعائلة (Bender 2000: 44-6) الى أن أولئك الناس وصلوا الى "المقدس" في أزمان تاريخية مختلفة. حتى في قارة تميزت تاريخياً بأكثر الأنظمة مساواتية اقتصادياً وسياسياً، أو بسبب هذا الظرف تحديداً، قاومت الجماعات التقليدية بداية "التعقد" والتبعية بكل الوسائل، باللجوء فعلياً الى التراجع في تلك العصبة المعقدة المحتمية بركن الأراضي المرتفعة والتى أسماها ايفانز بريتشارد (Pritchard 1940) "رواق الموت"  (Johnson 1986: 219).
 
فيما بعد، باستثناء حملات الاسترقاق المتقطعة، عاش أولئك السكان الشانكيلا (السود، العبيد) لقرون في وضع مستقل مقبول على حافة الممالك السودانية والإثيوبية، كما تشير المعطيات من الرحالة الأجانب الى الأراضي المرتفعة. يمكن أن يكون وضعهم الدوني الحالي (e.g. Donham 1986: 12) نتاج للتوسع الأبسيني في القرن التاسع عشر أكثر منه نتاج نشاطات استرقاق سابقة. اللاجئون السودانيون الذى استقروا مؤخراً في الجانب الإثيوبي للحدود نتيجة الحرب الأهلية يمثلون شاهداً على استمرارية هذه العملية، والتى بدأت في الأزمان ما قبل التاريخية، حتى اليوم. في مثل هذه الحالات مثل توامبا (أدوك) أعيد توطين كامل المجموعة الاثنية، حوالي 20.000 نسمة، في مناطق اللجوء القديمة (James 1994)، والتى تسمى حالياً معسكرات تسورى، وبونجا أو شيركولى.

 
< السابق
burley bicycle oregon | nancy capizzi | thelin pellet stove | milan ladies watch 038 | burley bike trailer minnesota | grundfos pump submersible | indusria electronica | grundemann russell | thelma house and public health | milan kundera criticism | grund haircare | nina mosher fl | milan lucic hockey fight | milan free methodist church mi | thelma hill in oklahoma | nancy chadwick golden retrievers | grundfos 1 2 hp pump | nationality of tpain | nationality of hauer name | nationalitys in europe | indus burial women and child | nina nicolin | milan dragway | cat logo cisne | cat kid pedal tractor | milan chamber of commerce il | thelma bader | nationality name chapman | nina marachino | burlesque steakhouse in dallas | nationality of gustav klimt | nina montanari | life extension 500 cla capsules | grundfos crn | nancy candella ontario | burleson texas appraisal district | nationality pasteur | nina of sparticus | indus valley gods and beliefs | indus creed download | burlet pronounced | burley bicycles atlantic bicyclee | milan krieglstein | cat knickknacks | nina merli | indus valley clothes and jewellery | indusrial desk mounted trackball | indus water treaty 1960 | cat lift axle | grund funk railroad | indus river valley civilization government | burlesque dancing scotland | life expentancy for nova scotia | indus tours international | thelma and louise wav | grumpys world | indus ind bank | nancy candee | indus travel tunisia | thelma hutchins | nina neon jpegs | nancy burke parrot email toledo | nancy cabral realtor | life fhone | milan keyser stripper | milan indians and hoosiers | nationality of max planck | milan juricic | nationalist rally in harlem | nancy cavanaugh ron wenn | nina muhonen | thelma hawks hair braiding | life expectancy of tourette syndrome | nationality of last names purcell | thella wells | indus outflow | burleson tx homes for sale | nationality probst | life expectancy of gypsy moths | burlesque dallas tx | nancy ciaffone | thelma carpenter he's the wizard | thelma daughtery auction | cat lafayette 1530 | nancy chandler ghent va | grundfos india | thelma c cobb | cat litter box littermaid mega | burlesque business cards | milan heger design | nationalist congres party | milan april 18-23 fair | indus city 2300 b c | nancy cave gunpoint | burley design cooperative green statement | nancy cahill horsemanship | milan hotels rick steves | grundbuchamt m nchen | milan congress 1880 | life expectancy shingle disease | nationality paris pirelli | thelma from good times naked | milan janjic | cat line drawing illustrator | nina mortgages wachovia | milan gnus | thelma catherine ryan | burlesque gameshows | cat liter maids | nationality last name sullivan | life expectancy of printheads | burlesque dancer dirty martini | burley d lite owners manual | life expectency of cockatoo | nancy chaidez agency | burleson physician surgeon | cat loader skid | milan kundera conservative | indus systems login | cat lepord spots | grunberg ita | grundfos and booster pump | nationalist party lata | indus river valley pataliputra | nancy chalnick | nationalization of countrywide | grumpys pizza st joseph mo | thelma edwards and milton barlow | indus valley civilization lesson plans | nationality of the name dearman | milan kundara | nina moric maxim | burlesque bar little pedro's | grundfos boring | grundausbildung medizinisch | thelma filming florida | milan carelton | nationality of vespucci | cat litterbox bench | milan bjelanovic | life expectancy of theodore roosevelt | milan hampton inn norwalk ohio | cat litter promiscuity | cat leg spread sheet | milan illinois craft sale 2008 | thelma j wright | nina mike fahrende musikanten | indus school birchdale | cat ketch plans | thello | milan brown mt saint mary's | burleson tx hot pursuit | grundfos intranet | life expectancy spina bifida | nancy campbell providence | cat licking computer monitor | thelma brown sac city iowa | milan ac stica | nancy carson and assisted suicide | nancy calhoun flamingo pottery | life expectancy slot machines | nancy clarkin | nina nakt | thelma frazier winter | milan brajdic | indusrial hemp | grundfos pumps california | grundfos pump type up 15-20 | grundfos fort myers | grumpys phoenix | nationality of last names seifert | milan dragway thunder alley | life expectancy spiral slide | indus hospital quality assurance | burleson nixon wood carver | cat litter deodorizer | thelma bellus | grundfos 10 sq 200 | indus passport trainer | thelma blair actress | nancy calhoun vista del sol | thelma dunbar shreveport | milan hoosers the real story | nancy chandler wi | thell viking | indusi magnet | burlesque sandy o'hara | milan heamatology meetings | nancy chance 1784 | nina mercedez facial | burlesque ona | nancy carter demdaco angels | indus microfish viewer | nina mercedez filmography | milan dragway michigan schedule | indus river rafting pakistan | indus foot heater | life fitness 5500 cross trainer | grundfos pump curves | nationality and field denis diderot | grundfos edm pumps | cat logos colectivos internacionales | nina nurminen | indus valley paintings | life expectency sparrow | grundfos pump manufacturing | cat liver shunt | cat jigsaw pollyanna puzzle round | milan belohlavek | life expectancy of eagles | burley d'lite review | nancy castiglione nude | nina obendorfer | grundfos hot water recirculating pump | life expectancy with wilsons disease | milan henc | milan glisic | nancy carter drew alabama | nina nobo | life expectancy with epilepsy | milan chocobo mp3 | nancy c mackenzie dc | life fitness 4500 review | cat ketch for sale | nancy cameron freeones | nancy callahan woburn ma | cat loosing weight thirsty | nationality surname cory | nationality myspace icons | burleson tx animal control | burlesque linda queen west | thelma houston from missouri | indus francis alexander | cat logo panel y perfil | cat litter box misuse | grundfos pump repair portland oregon | thelma barlow actress | life fitness 90c | grund fos pump | nationality corrine rae bailey | milan childrens hospital neurology | nancy claire rozell | nancy clay fire chicago frankel | nationality with highest dropout rate | cat leopord | burlesque living tableaux | nina nordlinder berg | grundfos kp 250 | cat lawn ornament witch | nancy cafe utica ny | indus capital stamford ct | theler thomas | burlewood | thelma coombs citizens | life fitness 90t treadmill | thelma brake | burleson rental industrial | milan hauber | nancy cartwright imdb | life expectancy sun cup corals | thelma and john hayes collectables | thelma hill art gallery | thelma agnes horne australia | life expectancy of squirrels | nancy chippendale's dance studio | grundens fishermen tackle | cat lexion | life expectancy thyroidectomy | life expectancy sickle cell 1970 | cat life expectency | milan jovanovic arizona | burley area baseball | cat kliban sale | life expetancy on planet venus | life expectancy of mastiff | grundfos pump website | life expressions chiropractic | grundens minnesota | life expectancy of newfoundland dogs | grundfos cr 20 | nancy carlson laporte indiana | cat line oilfield | indus river valley goverment | grundfos constant pressure well pump | indus sarasvati civilization | indus de luxe | nina nastasia day trip | nancy childress new hampshire | grundbuch tirol | milan heger architecture | life expectancy of rsd | nancy burkhart omaha | nancy butler lcsw | thelin ency | life expectancy of dwarfism | grund razors | burley bikes dealers | life expectancy rates for nrway | grundfos recirc pump | burlesque behind the pink door | nationality of erik the red | life expectancy of labrador retriever | burlesque sydney club oriental | nina orava | life expectancy overflow pan | nationality name agger | nancy cacua | nationality of last names sur | milan apoteka mp3 | milan lucian fillmore | nationals lampoon dorm room daze | life expectancy payouts | nina melero | indus river valley timeline | life expectancy of goblin shark | cat jersey villanova wild | burlesque gals | burleson shooting | nancy casten thomas casten | burlesque ultraviolet | milan itlay | grundfos isolation valves | nancy burson photography | milan borsic | indus river valley civilizations | milan il hy vee | nationalpark hohe tauern salzburgerland austria | thelma cochran tazewell va | nina oehler | milan barcelona rome fashion ied | nancy carol markham panama | grundbuch mils | burlesque america's got talent | grundfos pump solar | indus leg warmer | milan and pictues | nina news amp commentary | cat litter and pregnant | cat litter hiv | nina mindermann | cat litter in nicaragua | nancy cassani | grundbuch werfen | nancy chandlers bangkok map | nina menocal | nina michaela harling | milan kindera | nationality of kim rhodes | cat license in maricopa county | life expectancy of huskies | nina mercedez assfuck | thelma ballet hund nj | burleson texas football schedule | cat litter dessert | nationality of charlotte bronte | nationality flag decals | milan kosak | burlesque gun kabuki | life expectancy with portal hypertension | nina nicolussi | thelma beddoe | life expectancy tortoise | indus waters treaty | life expectency of labrador retrievers | thelma bell tulsa ok | burlesque new york hiring | nina myers imdb | thelma evangeline perkins | burleson park dallas tx | grundfos pump isolating valves | life fitnes supplements | thelma from scooby doo bio | nancy childress seadrift texas | nationality of stanle cup captains | nina novinska | life expectency dare county nc | milan beltway extension map | milan fontenac county quebec | burleson texas mls | nina mattern | thelma aoyama mp3 | cat kiers | burleson tx bible church | thelin encysive | cat list free groupsex links | thelma deutsch jewelry | nancy canell | grundfos aquarium pumps | milan 2 anti-tank | milan boran | nina mccants | grundfos pump spares | life fellowship church athens texas | nationality of vin diesel | indus civilization gender | life expectancy of sd memory | thelma houston said | thelma houston bass tabs | milan 8472 | grundfos coolant pumps | life fitness 8500 treadmill service | burleson tx wine | grund tiger masque | milan arsenal crews gail | life expentancy of weimariner | milan hho conversion | nancy burka | cat light stool feces | nina millman baltimore | thelma ashbey connecticut | thelma crump | burleson star telegram | grumpys pipe | grunder landscaping | nina mishra | cat kneading meowing | cat litter accesories | cat ketch sailboat for sale | nina maria geyer | nina moric pubblicita | indus music vjs | life expectency of the oryx | life experience degree with apostille | nancy caron glen ellyn il | indus river valley maps | thelma busby al | nina marachino photos | thelese | life fitness 9000 treadmill | nina mokro | milan de chocobo mp3 | nancy claussen | indus school bangalore | nationality of jami floyd | burlesque feather fan huge | thelma hopkins cambridge ohio | nationalmortgage | cat ketch rig | milan bridal houston | burleson subdivisions | milan bulovic | nina mercedez schedule | grun pronounced | nancy caris | burlesque dancers dita von | grunc | milan hotel nasco | life expectancy of krabbe's disease | indus river catfish | nina mercedez nipples | burlesons florist pasadena texas | thelma and louise movie poster | nancy chodorow 1985 mothering | life fitness 5500 stepper | nationalmuseet stockholm | nancy chandler bangkok map | grumpys pizza delray beach fl | indusco ltd | burley bee child trailer | grundfos circulators home page | cat kitten stuffed toys | thelma burchell | thell reed | nina naumova | nationals miss teen tampa | nancy cavanah | indus creed songs | nancy chesworth | milan dragway schudule | burlesque bloomers | milan drapsin | induron 400 reel | life expectancy of porcelain veneers | nationality valente | thelma and louise theme mp3 | thelma allen cookbooks | nina moric testimonial 2008 | milan front wheel bearing nut | cat legs legs paralized kidney | milan boats 210 dx | life facts about russell stover | milan jovovich with red hair | cat kennels bradenton florida | milan l tsch | indus tower limited | nancy castiglione pictures | nancy chenowith woods marriage michigan | nina mortage | nancy carver 21045 | nina nikolov | nationalist sarawak | nationality britanica | milan barragan | nationalist in asa | life expectancy zero clearance fireplace | burlesque workouts near honolulu | grund dagner nelson pc | nancy cabot quilt kit | indus the indian the constellation | grundfos central heating pumps uk | burley cub | nina mascher | grundfos 11 sqf 2 specifications | grumpys toy camaro | indus dead can dance mp3 | grunbaum's | life fitness 3500 treadmill specs | cat linemar | indus investment ledger | grundfos new zealand | life expectancy of sd cards | burlew pronounced | life expectancy st bernard dog | nina mcclintock len mcclintock | grundfos india pumps | thelma amp louise | cat livejournal layout | thelma houston lyrics | life expectedly of molly fish | indus river valley and map | grund super spray holding spray | thelma gutierrez ethnicity | indusrial engineering | milamar sarcev | grundfos pumps western canada | nancy carr soprano | thelinks | milan bergamo bus | life expectancy roadrunner | thelma houston don't leave me | burlesque strip video | nina mercedez spankwire | nationality of salama | milan lukasch | nancy chlumsky in my girl | nancy butler flor kitty | thelen toronto lighting ottawa | milan kuntzsch | nationalmanschaft | nationality is the designer galliano | cat lice frontline | indus valley plants | milan drazenovic | indus civilization environmental effects | nationalities of the ellison family | life expectancy of gorilla | thelin cornelia | life expectancy of woodpecker | cat laughs kilkenny 2005 | life expectence after several stents | nationality steven seagal | life expectancyof a cupola | life extension chadd everone | nina mcmichael | nina of the clippers dancers | burleson texas apartments specials | cat leb 404 speakers | nationals hire manny acta | life expectancy of loblolly pine | thelimited com | nina mercedez passwords | nancy butzmann | nina meiler | nina martin marfa texas | nancy burgoyne weymouth | nancy clark playmate | milan baros profile | grundfos pump seal kit | nancy calhoun eggplant | nancy chiero | thelma bishop obituarie | burleson youth association | cat latex pvc spandex suit | burlesque headdress | cat litter related supplies | grundfos hot water recirculation | burley bike trailers minnesota | cat losing hair on tail | grundfos pump codes | nancy carwell | thelma forbes market america | burlesque stars in the 1930s | nationals basebal | milan akerman | nancy buscher | grunderzeit decoration | burleson texs rv park | indus high school isd 363 | life expentancy for lympnode cancer | grundfos pumps corporation | indusco group inc | cat lamp by gramercy | milan cosmetology boise idaho | thelma and louise sex scence | burlesque dita gallery | nationality of vasco da gama | life extentions same 200mg | cat logo universidad de salamanca | burley brown surveyors | life expectancy pug