|
أعمال البعثة الإيطالية لأبحاث ماقبل التاريخ في الجيلى |
|
أعمال البعثة الإيطالية لأبحاث ماقبل التاريخ في الجيلى
تاريخ بيئة نيلية وسطى 7000 ق.م. 1500 م
ايزابيلا كانيفا
ترجمة د. أسامة عبدالرحمن النور
قرر البروفسور بوجليسى البدء فى توسيع أبحاثه من شمال وادى النيل الى وسطه، حينها تملك الناس شك بشأن النتائج المتوقعة وحول أهمية العملية: ظلت أعمال آركل فى الخرطوم والشهيناب فى أواخر الأربعينات معزولة كلياً على مدى القرنين اللاحقين وغير مرتبطة بأى تواتر ثقافى شامل أو نموذج نظرى, بالتالى، كان "مشروع الجيلى" الذى أعلنه بوجليسى فى السبعينات إيذاناً ببدء البحث المنتظم الأول فى مجال ماقبل التاريخ فى المنطقة منذ أزمان آركل. أثبتت السنوات اللاحقة أن توقعات بوجليسى كانت مؤسسة بصورة جيدة. وفرت كل من البعثات السودانية والأجنبية كماً هائلاً من المعطيات الجديدة التى كشفت عن أن المنطقة تمثل حلقة مفتاحية بين شمال وادى النيل، والصحراء، والمناطق الإستوائية، والهضبة الاثيوبية. أصبح جلياً أيضاً أن بإمكان المنطقة أن توفر معطيات جديدة عن العمليات الثقافية مثل الإستقرار وإنتاج الطعام.
رغم هذا البحث الجديد، على كلٍ، ظلَّ الموقف متجمداً على مدى فترة طوييلة فيما يتعلق بتفسير المعطيات. ما كان مجرد تجميع بسيط للمعطيات، فى سلسلة لانهائية من إعادة إنتاج عمل آركل، بالتأكيد هو هدف البحث الجديد، لكنه كان صعباً بشكل واضح لأى أن يتخذ خطوة الى الأمام، ومرت فترة قرابة عقد من الزمان قبل النجاح فى تقديم صورة شاملة للمعطيات النيوليتية الجديدة Haaland 1981. بالنظر الى تاريخ أفريقيا كما هو ملخص فى آخر الأعمال الشاملة المنشورة Philipson,1985، فان من المدهش هو ان المعطيات الخاصة بمنطقة وادى النيل الأوسط القديم لازالت تعانى من الضبابية وسوء الترتيب. فمن جانب، هناك تشظية فعلية للمعطيات، بدءاً من الإقليمية البادية ("مديرية الخرطوم"، و"منطقة شندى"، و"دلتا القاش"، و"إقليم دنقلا" الخ..) حتى فى التفصيل الدقيق للتصنيف الذى يسقط أحياناً فى الإطار المحدود (cul de sac) الموقع = الثقافة (انظر: Early Khartoum, Shaheinab, Kadada الخ..). من جانب ثانٍ، يبدو ان شحة المعطيات تساعد فى المقارنات المتحررة على مدى زمنى ومكانى هائل (بخاصة مع الصحراء، أنظر: Arkell,1953; Hays and Hassan,1974, Sutton,1977). ينطبق شئ مماثل على المراحل التاريخية، على سبيل المثال، المرحلتين المروية والمسيحية، حيث لا يجد التحليل الدقيق للتفاصيل التيبولوجية فى الفخار، والمعمار، واللغة، والدين وما الى ذلك دقة مقارنة فى تفسير البيئة الداخلية للجماعات المدروسة، بخاصة فيمايتعلق بالمدى الإقليمى. ففى خين ظهرت أعمال متخصصة فى علاقات مروى معالعالم الكلاسيكى، فاننا نجهل أى من علاقاتها مع منطقة الخرطوم المتاخمة؛ فى حين تجرى الدراسات المتقدمة للخصائص المعمارية والطقوسية لكنائس سوبا، فان الدور الإجتماعى- السياسى للمجتمع المسيحى فى وسط السودان لازال بعيداً عن الوضوح الى حد بعيد. ما لم يتم تطويره بعد هوتفسير للمعطيات يهدف الى إعادة تركيب إقليمية شاملة للتاريخ، وهو ما يعزى الى حد بعيد جزئياً للإهتمام التقليدى "بالتحف الرائعة"، وجزئياً لعدم الإستمرارية فى التوثيق على إمتداد هذه المنطقة الواسعة، لكن أيضاً لوجود بيئات محلية شديدة التباين والتنوع، بالتالى أنماط تكيفية متعددة، مما يجعل مهمة تحديد صلات بين إقليمية أمراً صعباً. فقط فى السنوات الأخيرة (باستثناء إعادة أعمال التنقيب مجدداً فى موقع كرمة عن طريق شارلس بونيه) أخذ فى التطور منظور جديد للبحث والذى يتوقع أن يعطى نتائج واعدة بفعل الدراسات الأكثر إتساعاً. أضحت المناطق الإقليمية وإعادة التركيب التاريخية مركز الإهتمام أكثر من مجرد دراسة المواقع المنفردة والتيبولوجيا (انظر الأعمال الحديثة: Elamin, Haaland, Lenoble, Kuper, Marks, Mohammed Ali, Reinold).
لم يكن موقع الجيلى يشكل نقطة إنطلاق جيدة. تفاقمت مشكلة فقدان مادة مقارنة لدعم كل من الملاحظات التيبولوجية والإستراتيجرافية بفعل وضع آثارى معقد الى حد بعيد... نتيجة إفامة غير منقطعة فى الموقع: فان مجمل التطور الكرونولوجى لتاريخ المنطقة كان ممثلاً فى الجيلىن جاعلاً الموقع واحداً من أكثر المواقع إثارة وأشدها فى الوقت نفسه صعوبة فى الدراسة. فقط بعد سنوات لاحقة نجحت أعمال التنقيب التى أجريت فى عناصر منفردة للمواقع، وتوسيع البحث مع أعمال المسح الإقليمى فى ان توفر الخلفية الضرورية لفهم حالة الجيلى.
|